السيد علي عاشور

119

موسوعة أهل البيت ( ع )

قال : إنّما أنا رجل عالم بمباعث الأنبياء ، قال : فأخبرني عن قول الله تعالى لموسى وهارون حين بعثهما إلى دعوة فرعون : فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى « 1 » منه شكّ ؟ قال : نعم ، قال : ذلك من الله شك إذ قال لعلّه ؟ قال أبو حنيفة : لا أعلم . قال : إنّك تفتي بكتاب الله ولست ممّن ورثه ، وتزعم أنك صاحب قياس وأوّل من قاس إبليس ولم بين دين الإسلام على القياس ، وتزعم أنك صاحب رأي وكان الرّأي من رسول الله صوابا ومن دونه خطأ ، لأنّ الله قال : إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً « 2 » ولم يقل ذلك لغيره ، وتزعم أنك صاحب حدود ومن أنزلت عليه أولى بعلمها منك ، وتزعم أنّك عالم بمباعث الأنبياء وخاتم الأنبياء أعلم بمباعثهم منك ، لولا أن يقال : دخل على ابن رسول الله فلم يسأله من شي ما سألتك عن شي ، فقس إن كنت مقيسا ، قال : لا تكلّمت بالرّأي والقياس في دين الله بعد هذا المجلس ، قال : كلا إنّ حبّ الرّئاسة غير تاركك كما لم يترك من كان قبلك الخبر « 3 » . وفي المناقب عن مسند أبي حنيفة قال الحسن بن زياد سمعت أبا حنيفة وقد سئل من أفقه من رأيت ؟ قال : جعفر بن محمّد ، لما أقدمه المنصور بعث إليّ فقال : يا أبا حنيفة إنّ النّاس قد فتنوا بجعفر بن محمّد فهيىّ له من مسائلك الشداد ، فهيّأت له أربعين مسألة ، ثمّ بعث إلىّ أبو جعفر ( يعني المنصور ) وهو بالحيرة ، فأتيته فدخلت عليه وجعفر جالس عن يمينه ، فلمّا بصرت به دخلني من الهيبة لجعفر ما لم يدخلني لأبي جعفر فسلّمت عليه فأومى إلىّ ، فجلست ثمّ التفت إليه فقال : يا أبا عبد الله هذا أبو حنيفة قال : نعم أعرفه ثمّ التفت إلىّ فقال : يا أبا حنيفة ألق على أبي عبد الله من مسائلك فجعلت ألقي عليه فيجيبني فيقول : أنتم تقولون كذا وأهل المدينة يقولون كذا ونحن نقول كذا ، فربّما تابعنا وربّما تابعهم وربّما خالفنا جميعا ، حتّى أتيت على الأربعين مسألة فما أخلّ منها بشي ثمّ قال أبو حنيفة : أليس أنّ أعلم النّاس أعلمهم باختلاف النّاس « 4 » . وعن عيسى بن عبد الله القرشي قال : دخل أبو حنيفة على أبي عبد الله فقال له : يا أبا حنيفة بلغني أنّك تقيس قال : نعم ، قال : لا تقس فإن أوّل من قاس إبليس حين قال : خلقتني من نار وخلقته من طين ، فقاس ما بين النّار والطين ، ولو قاس نوريّة آدم بنورية النّار عرف فضل ما بين النّورين وصفاء أحدهما على الآخر « 5 » .

--> ( 1 ) سورة طه : 44 . ( 2 ) سورة النساء : 105 . ( 3 ) الصراط المستقيم : 3 / 212 ، والبحار : 2 / 288 ح 4 . ( 4 ) البحار : 47 / 218 ، ومناقب آل أبي طالب : 3 / 379 . ( 5 ) البحار : 2 / 288 ، والكافي : 1 / 58 ح 20 .